محطات من حياة محمد عابد الجابري.. فيلسوف المغرب
يُشكل المفكر والفيلسوف المغربي الراحل محمد عابد الجابري (27 ديسمبر 1935 – 3 مايو 2010) أحد أبرز أعلام الفكر العربي المعاصر، والقامة الفلسفية التي تركت أثراً عميقاً في الساحة الثقافية العربية والعالمية.
وقد ارتبط اسمه بمشروعه النقدي الرائد حول بنية الفكر العربي، ولا سيما سلسلته الشهيرة «نقد العقل العربي» التي تُرجمت إلى لغات أوروبية وشرقية متعددة، مفتحةً آفاقاً لنقاشات فكرية واسعة لم تتوقف حتى اليوم.
محمد عابد الجابري.. النشأة والطفولة
ولد محمد عابد الجابري في مدينة فجيج الواقعة في شرق المغرب على خط الحدود الذي أقامه الفرنسيون بين المغرب والجزائر.
1_ نشأ في “قلعة زناكة” إثر انفصال والديه، وتلقى رعاية فائقة من أخواله وأهله من جهتي الأب والأم.
2_ بدأ مسيرته التعليمية في الكتّاب بتلقين من جده لأمه، وحفظ ما يقرب من ثلث القرآن الكريم.
3_ درس لفترة قصيرة على يد زوج والدته (شيخ الكتّاب)، ثم التحق بالمدرسة الفرنسية لعامين.
4_ زاول في طفولته أعمالاً يدوية كالاحتطاب وسقي الفدادين موازاةً مع واجباته المدرسية لتحقيق الاكتفاء الذاتي لأسرته.
5_ انضم لاحقاً إلى مدرسة «النهضة المحمدية» الوطنية الحرة المعربة التي أسسها الشيخ السلفي محمد فرج، وتخرج فيها عام 1949 بحصوله على الشهادة الابتدائية.
المسيرة الدراسية
تابع الجابري تعليمه الإعدادي تنقلاً بين مدرسة “التهذيب العربية” في وجدة ومدرسة “عبد الكريم الحلو” في الدار البيضاء. ورغم الانقطاع الدراسي الذي تسببت فيه حملة الاعتقالات الفرنسية لأساتذة المدارس الحرة عام 1953، واصل الجابري كفاحه العلمي بصفة طالب حر؛ فاجتاز بنجاح امتحان الشهادة الثانوية الإعدادية ودبلوم الترجمة الأول عام 1955، ثم نال البكالوريا المغربية المعربة بتفوق عام 1957.
بعد رحلة جامعية قصيرة لم تدم سوى سنة واحدة في تخصص الرياضيات والعلوم بجامعة دمشق السورية، عاد إلى المغرب ليتخصص في الفلسفة والفكر الإسلامي بكلية الآداب بالرباط، محرزاً الإجازة عام 1961. وفي ذات الكلية التابعة لجامعة محمد الخامس، نال دبلوم الدراسات العليا عام 1967، وتوّج مساره بالحصول على دكتوراه الدولة في الفلسفة عام 1970 تحت إشراف العميد عزيز الحبابي، لتكون أول دكتوراه دولة في الفلسفة تشهدها المملكة المغربية.
العطاء المهني والصحفي: الخياطة والتدريس وصناعة الوعي
1_ تجاوز الأزمات
عمل في بداية حياته خياطاً مع عمه خلال فترة إغلاق المدارس الحرة (1953-1955).. حتى حسم خياره بمتابعة الدراسة مستلهماً كتاب “دع القلق وابدأ الحياة”.
2_ التدريس الأكاديمي
تدرج من معلم بالابتدائي ليصبح أستاذاً للفلسفة والفكر العربي الإسلامي بجامعة محمد الخامس، كما عُين مفتشاً للفلسفة في التعليم الثانوي المعرب بالمغرب عام 1968.
3_ القلم الصحفي والسياسي
بدأت رحلته الصحفية مترجماً في جريدة “العلم” باختيار من المهدي بن بركة عام 1957، ثم كاتباً لعمود نقدي في جريدة “التحرير”، ثم بجريدة “الرأي العام” عام 1959. كما ساهم متطوعاً ومساعداً في مجلة «أقلام» وجريدتي “المحرر” و”فلسطين”.. واستمر بالكتابة لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية حتى بعد استقالته منه عام 1981.
مشروع “فكر ونقد”: مدرسة النقد الموضوعي
1_ في سبتمبر 1997، أسس الجابري مجلة «فكر ونقد» وتولى إدارتها ورئاسة تحريرها، رفقة محمد إبراهيم بوعلو وعبد السلام بنعبد العالي. وركزت المجلة على خط تحريري واضح يهدف إلى:
2_ الإسهام في نشر الوعي بالتحولات الفكرية المعاصرة.. كما تجاوز السجالات الأيديولوجية المغلقة لصالح النقد الموضوعي والتحليل الرصين.
3_ الانفتاح على مختلف الاجتهادات الفكرية داخل المغرب وخارجه والسعي لتجاوز “الأجوبة الميتة” بطرح أسئلة حية جديدة.
“إن الكلمة الآن هي لـ ‘النقد’! وعندما يفرض ‘النقد’ نفسه كخطاب يعلو على جميع أنواع الخطاب الأخرى. فارضاً سلطته عليها، فإن ذلك دليل على أن الأمر يتعلق بمرحلة انتقالية يتم فيها تصفية الحساب مع القديم لفتح المجال أمام جديد.” — محمد عابد الجابري
الحياة الشخصية والرحيل
عاش الجابري حياة أسرية مستقرة استمرت لأكثر من أربعة عقود برفقة زوجته السيدة مليكة زكري، التي كانت أول قارئ لإبداعاته وتتولى رقن أعماله على الآلة الكاتبة، ولهما أربعة أبناء: عصام، منى، لمياء، وبدر.
حظي الجابري بتكريم خاص من منظمة اليونسكو لكونه أحد أكبر المتخصصين في فكر الفيلسوف ابن رشد وتميزه بأسلوب خاص في الحوار.
وفي يوم الاثنين 3 مايو 2010، ترجل الفارس عن صهوة الحياة في مدينة الدار البيضاء بعد معاناة طويلة مع المرض.. مخلفاً وراءه إرثاً فكرياً ومشاريع نقدية ستظل تلهم الأجيال المتعاقبة.. لبناء نهضة عقلانية حديثة.
[…] ويتصدر قائمة هؤلاء الخريجين جلالة الملك محمد السادس الذي نال شهادة الحقوق من كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب شقيقه الأمير مولاي رشيد، والمفكر الفيلسوف الراحل محمد عابد الجابري. […]