إبراهيم أبو العيش.. رحلة الكيمياء والطب التي أثمرت “سيكم”
في الثالث والعشرين من مارس عام 1937، شهدت مدينة مشتول السوق بمحافظة الشرقية ميلاد طفل لأسرة ثرية، سيكبر ليصبح أحد أبرز رواد التنمية البشرية والزراعة الحيوية في العالم. إنه العالم ورائد الأعمال المصري الدكتور إبراهيم أبو العيش، الذي غيبه الموت في الخامس عشر من يونيو عام 2017 عن عمر يناهز 80 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً حياً يمزج بين العلم، والأرض، وبناء الإنسان.
الدكتور إبراهيم أبو العيش.. قصة نجاح من الشرقية إلى النمسا
نشأ أبو العيش في بيئة شجعت على الصناعة والابتكار؛ حيث انتقلت عائلته لاحقاً إلى القاهرة ليؤسس والده مصانع للصابون والحلاوة الطحينية. هذا الشغف المبكر بالإنتاج قاده في عام 1956 إلى الهجرة نحو النمسا.. ليبدأ رحلة أكاديمية استثنائية في جامعة غراتس، درس خلالها الكيمياء التقنية والصناعية.
لم يتوقف طموحه عند الكيمياء، بل نال درجة الدكتوراه عن بحثٍ قدم فيه طريقة مبتكرة لاستخدام “السليلوز” في صناعة الورق. وامتد شغفه المعرفي ليدرس الطب ويتخصص في علم الأدوية (الفارماكولوجي).. ليحصل على دكتوراه أخرى ركزت على أبحاث الغدة الدرقية، واكتسب خلال تلك الفترة الجنسية النمساوية.
“سيكم”.. حلم أخضر في قلب الصحراء
على الصعيد الشخصي، ارتبط الدكتور أبو العيش بزوجته النمساوية في نوفمبر عام 1960.. ورُزقا بطفليهما حلمي ومنى. ورغم استقراره العائلي والمهني في أوروبا، ظل حنينه لتراب مصر دافعاً لعودته.
في عام 1977، اتخذ أبو العيش خطوة غيرت وجه الزراعة في مصر، حيث أسس مزرعة “سيكم” (SEKEM). ولم تكن المزرعة مجرد مشروع استثماري، بل كانت رؤية وفلسفة متكاملة لإعادة الحياة إلى الأرض الصحراوية عبر الزراعة الحيوية (الديناميكية الحيوية).. بعيداً عن أي تدخل كيميائي قد يفسد النظام البيئي المحيط.
إبراهيم أبو العيش.. ثلاثية التطوير وجائزة نوبل البديلة
آمن الدكتور إبراهيم أبو العيش بأن التنمية الحقيقية لا تقوم على استصلاح الأرض فحسب، بل ترتكز على ثلاثة عناصر أساسية لطالما نهجها في مسيرته:
-
تطوير الإنسان: من خلال التعليم والتدريب والتثقيف.
-
تطوير الأرض: عبر الزراعة النظيفة المستدامة والحفاظ على البيئة.
-
تطوير المجتمع: بتقديم الرعاية الصحية ورفع مستوى معيشة العاملين والمحيطين بالمشروع.
هذه الفلسفة الفريدة التي زاوجت بين الاقتصاد والمسؤولية الاجتماعية جعلت من “سيكم” نموذجاً عالمياً يُحتذى به. وتتويجاً لجهوده، حصل الدكتور أبو العيش في عام 2003 على جائزة رايت ليفيلهوود (المعروفة عالمياً بجائزة نوبل البديلة) في التنمية البشرية.. إلى جانب نيله العديد من الشهادات والتقديرات العالمية، ومنها الدكتوراه الفخرية من الجامعة التقنية في غراتس التي بدأ منها رحلته.
رحل أبو العيش بجسده.. لكن مجموعته وشركاته الرائدة في الزراعة الحيوية لا تزال حتى اليوم شاهدة على أن العلم عندما يلتقي بحب الأرض.. يمكنه تحويل الصحراء إلى واحات تنبض بالحياة والأمل.
علماؤنا العرب كثر.. وإن أردت التعرف على الكثير منهم فتابعنا في موقع أصوات عربية؛ فمهمتنا هي الحديث عنهم.. منهم مثلا وليس حصرا: الدكتور يوسف المنسي و د. خالد موسى إدريس وبشير حليمي وفاروق الباز ومحمد الشارخ.. وغيرهم.