عائشة السيار.. من كتاتيب الشارقة إلى قمة الهرم التربوي في الخليج

عائشة السيار.. من كتاتيب الشارقة إلى قمة الهرم التربوي في الخليج

الدكتورة عائشة السيار قادت مسيرة التغيير التعليمي في الخليج العربي. فرغم التباين التاريخي بين دول مجلس التعاون الست في سنوات التأسيس النظامي، إلا أن الجذور الأولى تظل متشابهة؛ حيث انطلقت المسيرة من “الكتاتيب” التقليدية وسط تحديات مجتمعية وتحفظات أسرية تلاشت تدريجياً مع الأيام.

وفي قلب هذا التحول التاريخي بمشيخات الساحل المتصالح (دولة الإمارات العربية المتحدة لاحقاً)، برزت أسماء نسائية رائدة، وفي مقدمتهن الدكتورة عائشة علي أحمد بن سيار، أول سيدة إماراتية تكسر الحواجز الأكاديمية بنيلها درجة الدكتوراه، وأول امرأة تتقلد منصب وكيل وزارة مساعد.

 عائشة السيار.. البدايات

ولدت عائشة السيار في إمارة الشارقة أواخر أربعينات القرن الماضي، ونشأت في بيئة عائلية استثنائية تقدر المعرفة. بدأت رحلتها التعليمية عبر الكتاتيب لحفظ القرآن وتعلم المبادئ الأساسية، وعندما التحقت بمدرسة “فاطمة الزهراء” بالشارقة — وهي أول مدرسة نظامية للبنات في الإمارات تأسست عام الدراسي 1953/1954 في منزل تاجر اللؤلؤ “بن جامل” بدعم من دولة الكويت — تسبّب ذكاؤها المتقد ونبوغها في اختصار المراحل الدراسية، حيث نُقلت من الصف الأول إلى الرابع خلال عام واحد فقط.

ومع غياب المدارس الثانوية للإناث في المنطقة آنذاك، دفعها طموحها اللامحدود للسفر إلى دولة الكويت مطلع الستينات، حيث أتمت دراستها في ثانوية الشويخ وعادت عام 1964 بحصيلة علمية لم تكن تملكها سوى قلة من بنات جيلها.

الرحلة الأكاديمية.. النبوغ في القاهرة

لم يتوقف شغف السيار عند الشهادة الثانوية، بل قادتها خطى العلم مجدداً عبر بعثة دراسية ممولة من الحكومة الكويتية إلى مصر. انتقلت في رحلة شاقة بالسيارة والطائرة من الشارقة وصولاً إلى القاهرة، لتبدأ دراسة التاريخ في كلية الآداب بجامعة عين شمس. هناك، تكللت جهودها بالتخرج عام 1969 بحصولها على درجة الليسانس بتقدير امتياز.

وعقب قيام اتحاد دولة الإمارات، عادت لتخدم مجتمعها كمعلمة للتاريخ والجغرافيا في مدرستها الأولى “فاطمة الزهراء” عام 1971. لكن الطموح البحثي ظل يراودها، فاستكملت دراساتها العليا بالتوازي مع عملها، وحصلت على الماجستير عام 1973 بأطروحة تاريخية متميزة حول “دولة اليعاربة” ودورها الاستراتيجي في الخليج.

وفي عام 1982، نالت درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى من جامعة عين شمس عن دراستها “التشكيل السياسي لدولة الإمارات من 1892 لغاية 1971”.. لتسجل اسمها رسمياً كأول مواطنة إماراتية تحوز هذه الدرجة العلمية الرفيعة.

طفرة إدارية في وزارة التربية والتعليم

توجت الدولة هذه المسيرة العلمية الحافلة بإصدار قرار عام 1983 بتعيين الدكتورة عائشة السيار وكيلاً مساعداً لوزارة التربية والتعليم لشؤون الأنشطة التربوية، وهو أرفع منصب قيادي تتقلده امرأة في تاريخ البلاد حتى ذلك الوقت.

خلال مسيرتها الوزارية الممتدة حتى عام 1998، أحدثت السيار نقلة نوعية في بنية التعليم الإماراتي من خلال:

  • تأسيس قطاع الأنشطة التربوية ليكون ركيزة أساسية لبناء شخصية الطالب.

  • تطوير مركز تأهيل المعلمات الذي تولى إعداد الكوادر الوطنية من المشرفات، وأمينات المكتبات، ومربيات رياض الأطفال.

  • تأسيس قسم التربية الخاصة المعني برعاية الطلبة ذوي الإعاقة وبطيئي التعلم، وإنشاء غرف المصادر المخصصة لهم.

  • إطلاق برنامج المسابقات العامة (الذي ضم 50 مسابقة متنوعة) لربط الحقل التعليمي بالمؤسسات الاقتصادية والشركات الوطنية.

البصمة المجتمعية والتمثيل الدولي

امتدت إسهامات عائشة السيار إلى خارج أسوار المدارس.. حيث شاركت بفاعلية في النهضة النسائية الإماراتية بالتعاون مع سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك “أم الإمارات”.

كما ساهمت في صياغة مشروعات وطنية كبرى.. مثل إعداد مشروع مؤسسة زايد للأعمال الخيرية والإنسانية، واقتراح تأسيس المجلس الأعلى للطفولة في الشارقة.. وتطوير جمعية أم المؤمنين في عجمان.

ودولياً، غدت السيار الواجهة المشرفة لبلادها.. حيث ترأست وفود دولة الإمارات في المؤتمرات العالمية للمرأة بدءاً من مؤتمر المكسيك (1975)، مروراً بكوبنهاجن، ونيروبي، وصولاً إلى بكين (1995).. ناهيك عن مشاركاتها الفاعلة في اتحاد المؤرخين العرب، واللجنة الدائمة لدى اليونسكو.

إرث علمي وتكريم وطني

أثرت الدكتورة عائشة السيار المكتبة العربية بأكثر من 12 مؤلفاً وبحثاً متخصصاً في قضايا الأسرة. والتغير الاجتماعي، والتاريخ السياسي، من أبرزها كتاب “سيرة حياة.. سيرة وطن”. وتقديراً لهذا العطاء الممتد، كرمها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عام 2014 ضمن مبادرة “أوائل الإمارات”.. كما نالت اعترافات دولية رفيعة كان من بينها “جائزة اليمامة الفضية” في موسكو عام 2014 كواحدة من أبرز عشر سيدات متميزات عالمياً.

إن مسيرة الدكتورة عائشة السيار لم تكن مجرد رحلة نجاح شخصية.. بل هي مرآة تعكس قصة نهوض دولة الإمارات العربية المتحدة.. وكيف استطاعت ابنة الخليج أن تحول الآمال إلى واقع مؤسسي ملهم يتوارثه الأجيال.

أما بعد عزيزي القاري فإن أردت التعرف على عالمات عربيات أخريات فتابعنا في موقع أصوات عربية؛ فمهمتنا هي الحديث عنهن.. منهن مثلا وليس حصرا:

سارة الأميري وزها حديد و شيماء محسن عبد الحي وغيرهن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.