عملاق الطب الأندلسي.. الإرث المنسي لـ عبد الملك بن زهر الإشبيلي
عبد الملك بن زهر الإشبيلي، المكنّى أبو مروان (1072 – 1162م)، قامة علمية بارزة أثرت بشكل عميق في مسار الطب خلال فترة ازدهار الحضارة الأندلسية. فهو ينحدر من أسرة عريقة اشتهرت بتوارث صناعة الطب لأجيال متلاحقة.
حيث كان والده أبو العلاء وجده طبيبين ماهرين، مما وفر له بيئة مثالية لتبدأ فيها مسيرته الفذة. ونظراً لهذا الإرث، لم يكن غريباً أن يصبح عبد الملك، الذي عُرف باسم Avenzoar في أوروبا. شخصية محورية جمعت بين الأصالة والابتكار في المجال الطبي، وبالإضافة إلى ذلك، فقد بدأ تعليمه بحفظ القرآن، ودرس الحديث الشريف، وتعمق في الأدب واللغة العربية وعلوم الشريعة. مما جعله واسع المعرفة قبل أن يتجه للتخصص في مهنته الأساسية.
عبد الملك بن زهر الإشبيلي في سطور
التكوين العلمي والرحلة المعرفية
تلقى عبد الملك بن زهر علوم الطب الأساسية عن والده أبي العلاء، ولكن إحساسه بضرورة اكتساب الخبرة العملية الشاملة دفعه إلى اتخاذ قرار جريء. وهو الرحيل إلى الشرق ليتطبب هناك ويمارس المهنة ويكتسب خبرة ميدانية واسعة. ومن ثم، عاد إلى الأندلس، ليبدأ رحلة عمله في مدينة دانية حيث نال تقديراً عالياً من حاكمها.
وفي غضون ذلك.. ذاع صيته بالتقدم الباهر في صناعة الطب. وشملت شهرته كافة أنحاء الأندلس، إلى أن استقر أخيراً في إشبيلية، مسقط رأسه، حيث عاش بقية حياته حتى وفاته.. تاركاً وراءه أموالاً طائلة وعلماً غزيراً، كما أن براعته في الشعر والأدب، وخاصة الموشحات المغناة، أظهرت جانباً آخر من شخصيته الجامعة.
التقلبات السياسية وخدمة الدولتين
شهدت حياة عبد الملك بن زهر الإشبيلي عواصف سياسية؛ فقد عاصر دولتي المرابطين والموحدين. وبالرغم من ذلك، عمل في خدمة المرابطين في أول حياته مع والده أبي العلاء. غير أن هذه الخدمة لم تخلُ من محنة؛ حيث تعرض للسجن في مراكش قرابة عشر سنوات بأمر من أمير المرابطين علي بن يوسف بن تاشفين. وهكذا عانى ما عاناه والده من قبل. ومع تبدل الأحوال وقيام الدولة الموحدية. تغير مصير ابن زهر للأفضل؛ فالتحق بخدمة مؤسسها عبد المؤمن بن علي، ومن تلاه من الخلفاء. إذ تولى منصب وزير وطبيب خاص. ونال رعاية عظيمة سهلت له تأليف أهم مصنفاته الطبية، وبالإضافة إلى ذلك، كان ابن زهر أستاذاً وصديقاً حميماً للفيلسوف والطبيب الكبير ابن رشد.
وفي موقف يدل على مكانته، أظهر الخليفة المنصور ثقة مطلقة في دين وعقل ابن زهر عندما دافع عنه وعن حفيده أبي بكر ضد وشاية كاذبة تتهمهما بحيازة كتب الفلسفة. رغم كراهية الخليفة لتلك العلوم.
الإسهامات العلمية والمنهج التجريبي الرائد
يُعدّ عبد الملك بن زهر الإشبيلي رائداً في المنهج التجريبي والتطبيقي في الطب، حيث لم يكتفِ بالنظريات، بل مارس الطب واعتمد على الملاحظة والتدقيق العلمي في عمله على مدار حياته. ومن أهم إنجازاته في هذا المجال؛ أنه كان أول من وصف بدقة التهاب الغلاف الغشائي المحيط بالقلب (التامور)، ومَيَّز بينه وبين التهاب الرئة، كما بحث في أمراض الأنف والفم والأذنين وقروح الرأس، ووصف أمراضاً وبائية وأنواع الحمى. وفي الجراحة والتدخل الطبي، أجرى عملية شق القصبة المؤدية إلى الرئة، وكان من أوائل الأطباء الذين استعملوا الحقن لغرض التغذية الصناعية. كما أنه اهتم بدراسة الأمراض المتوطنة في بيئات معينة، مثل مراكش، وبيّن القيمة الغذائية والدوائية للعسل، وكل ذلك جعله يضيف جديداً إلى الطب لم يكن معروفاً من قبل.
روائع مؤلفاته وتأثيرها العالمي
خلف ابن زهر مجموعة من المصنفات القيمة التي شكلت مرجعاً أساسياً في الطب لقرون. وأبرز هذه المؤلفات هو “كتاب التيسير في المداواة والتدبير”، الذي ألّفه لصديقه ابن رشد. ويعتبر موسوعة طبية شاملة تعكس تضلعه الكبير. ولهذا السبب. ترجم الكتاب إلى اللاتينية ونال شهرة واسعة في أوروبا.
حيث اعتمد في معاهد الطب حتى القرن السابع عشر، مما يبرهن على الأثر البالغ الذي تركه في تطور الطب الأوروبي.
وإضافة إلى ذلك.. ألّف كتابه “الاقتصاد في إصلاح الأنفس والأجساد”. الذي يتضمن خلاصة في الأمراض وحفظ الصحة والطب النفسي، وفيه يظهر تأثره بنظرية النفس المثلثة التي كانت شائعة بين الفلاسفة المسلمين. حيث يحدد مساكن القوى الثلاث (الناطقة في الدماغ، الحيوانية في القلب، والطبيعية في الكبد). وهناك أيضاً كتاب “الأغذية والأدوية” الذي وصف فيه الأغذية والعقاقير وآثارها، كما ترك رسائل أخرى في علل الكلى وطب العيون والدواء المسهل.
إرث العائلة وتواصل المسيرة
لم يتوقف إرث أبي مروان عند وفاته عام 1162م. بل استمرت العائلة في العطاء العلمي. فقد برز ابنه أبو بكر محمد بن عبد الملك (المُلقب بالحفيد ابن زهر) كأحد نوابغ الطب والأدب أيضاً. حيث ألف “الترياق الخمسيني” وترك موشحات شرقت وغربت، وكان وزيراً حكيماً.
علاوة على ذلك.. شاركت أخته وابنة أخته في هذه المهنة، حيث كانتا تعالجان نساء البلاط. وبالتالي رسخت عائلة ابن زهر مكانتها كأحد أهم البيوت العلمية التي خدمت الإنسانية في الأندلس.
اقرأ: