عبد الرزاق السنهوري.. مُشرِّع الأمة وصانع القانون المدني الحديث
الدكتور عبد الرزاق السنهوري (1895-1971) أحد أبرز فقهاء القانون على مستوى العالم، والأب الروحي للتشريع المدني الحديث في مصر وعدة دول عربية.
حيث كان مشروعًا إصلاحيًا متكاملًا، ربط بين الفقه الإسلامي الأصيل والقوانين الوضعية العصرية، ليقدّم للأمة العربية نظامًا قانونيًا فريدًا.
نشأة وتكوين عملاق التشريع
ولد السنهوري في مدينة الإسكندرية عام 1895. كان تفوقه الأكاديمي واضحًا منذ البداية، حيث تخرج في مدرسة الحقوق الخديوية (جامعة القاهرة حاليًا) عام 1917، وكان الأول على دفعته. انتقل السنهوري إلى فرنسا لاستكمال دراساته العليا، وهناك حصل على الدكتوراه في القانون عام 1926، مُقدمًا أطروحة شهيرة عن القيود التي ترد على حرية الإرادة في التعاقد، التي كشفت عن عمق فكره القانوني والفلسفي.
عودة إلى الجذور: الفقه الإسلامي ومزج التشريع
ما يميز تجربة السنهوري عن غيره من الفقهاء هو إيمانه العميق بضرورة استناد التشريع الحديث إلى روح الشريعة الإسلامية ومبادئها العامة. كان يرى أن الشريعة ليست مجرد مصدر تاريخي، بل مصدر أساسي يمكن استلهام أحدث النظريات القانونية منه. هذه الرؤية المزدوجة – التي تجمع بين أحدث المدارس القانونية الأوروبية والفقه الإسلامي الأصيل – هي التي منحته القدرة على تحقيق إنجازه الأعظم.
الإنجاز الخالد: القانون المدني المصري 1948
يعتبر مشروع القانون المدني المصري الصادر عام 1948 هو العمل التشريعي الأهم في تاريخ مصر الحديث، ولقد كان السنهوري هو المُشرِّع الرئيسي له. قضى السنهوري سنوات طويلة في صياغة هذا القانون الذي حل محل القانون المختلط والقانون الأهلي القديم، مُقدمًا نصوصًا تتسم بالوضوح والشمولية والعدالة.
وقد اعتمدت على هذا القانون المدني المصري عدة دول عربية أخرى كنموذج إرشادي لتشريعاتها الوطنية، مما جعل السنهوري فقيه التشريع العربي بامتياز. فامتد أثر قانونه ليؤسس قوانين مدنية في كل من:
_سوريا.
_العراق.
_الكويت.
_ليبيا.
المناصب المؤثرة ودوره السياسي
بالإضافة إلى عمله الأكاديمي والتشريعي، شغل عبد الرزاق السنهوري عدة مناصب هامة أثرت في مسار الحكومات والدول:
عميد كلية الحقوق: في جامعة القاهرة، حيث أسس مدرسة قانونية عريقة.
كذلك عكل وزيراً المعارف: في عدة حكومات مصرية سابقة.
رئيس مجلس الدولة: في مصر، وهو أعلى جهة قضائية إدارية.
كما كانت له بصمات قوية في دعم القومية العربية والقضايا الوطنية، حيث كان يرى أن توحيد التشريعات هو خطوة نحو توحيد الأمة.
إرث عبد الرزاق السنهوري.. موسوعة فقهية لا مثيل لها
ترك لنا عبد الرزاق السنهوري موسوعة فقهية لا تقدر بثمن. وعلى رأسها كتابه الشهير “الوسيط في شرح القانون المدني الجديد”، وهو عمل ضخم يقع في نحو عشرة مجلدات.. ويعد المرجع الأول والأشمل لكل باحث أو قاضٍ أو محامٍ في مجال القانون المدني باللغة العربية.
علاوة على ذلك.. لم تكن حياة السنهوري مجرد سيرة ذاتية.. بل كانت مدرسة لدمج الأصالة بالمعاصرة في ميدان التشريع.. ليظل اسمه مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بسيادة القانون ودولة العدل في العالم العربي.
اقرأ أيضًا: