زها حديد.. امرأة عراقية غيرت خريطة المدن الكبرى
شخصية زها حديد المهندسة المعمارية العراقية البريطانية علامة فارقة ونقطة تحول في تاريخ العمارة الحديثة. وُلدت هذه العبقرية في بغداد عام 1950 لأسرة مثقفة وذات نفوذ سياسي فوالدها محمد حديد كان اقتصادياً مرموقاً وزعيماً للحزب الوطني الديمقراطي في العراق.
هذه الخلفية منحتها بيئة غنية بالمعرفة والانفتاح منذ الصغر. لقد كانت حديد قوة دافعة في مجالها متحدية بذلك كل الصور النمطية المسبقة عن دور المرأة في هذا القطاع.
تكوين العبقرية: الجذور العراقية والمنطق الرياضي
لم تكن نشأة زها حديد في العراق عادية. فتنقلت بين بغداد التي شكلت أولى ذكرياتها عن العمارة الإسلامية والتاريخ العريق وبين رحلاتها العائلية حول العالم. بدأت مسيرتها الفكرية بدراسة الرياضيات في الجامعة الأمريكية ببيروت وهو أساس منطقي منحها القدرة على التفكير في الفضاء والأبعاد بشكل يتجاوز المألوف. بعد ذلك انتقلت إلى لندن لدراسة العمارة في جمعية العمارة وهناك بدأت شرارة ثورتها التي تحدت الجدران المستقيمة والزوايا التقليدية. وقد عُرفت بين زملائها بكونها طالبة متوهجة لا تخشى التجريب أو المخاطرة في رسوماتها.
تحدي العمارة: الانطلاق من رحم الصعوبات
بعد تأسيس مكتبها الخاص في لندن عام 1980 واجهت حديد سنوات صعبة في تنفيذ تصاميمها. فمن الناحية الشخصية والمهنية ظلت حديد تعيش وتعمل كشخصية مستقلة تركز كل طاقتها على إبداعاتها. كانت تصاميمها التي اعتمدت على مبادئ العمارة التفكيكية مثيرة للجدل لدرجة أنها قوبلت بالرفض المتكرر حيث رآها النقاد “غير قابلة للتنفيذ” بسبب تفاصيلها المعقدة. ومع ذلك لم تتخل حديد عن رؤيتها وتمسكت بالخطوط المتدفقة والأشكال الانسيابية وكان أول مشروع ضخم لها يتم تنفيذه هو محطة إطفاء فيترا في ألمانيا الذي مثّل نقطة تحول حقيقية في مسيرتها.
تتويج عالمي: كسرت السقف الزجاجي للمرأة المعمارية
بدأ العالم يدرك عبقرية زها حديد مع بداية الألفية الجديدة. توجت مسيرتها بـ جائزة بريتزكر (Pritzker Prize) عام 2004 لتصبح أول امرأة في التاريخ تحصل على هذا التكريم. هذا التكريم كان بمثابة انتصار لها كامرأة عربية تعمل في مجال يهيمن عليه الرجال.
علاوة على ذلك حصلت على الميدالية الذهبية الملكية للهندسة المعمارية عام 2016 لتكون أول امرأة تحظى بها بمفردها.
كانت حديد معروفة بشخصيتها القوية والمتطلبة في العمل لكنها في الوقت نفسه كانت شخصية حنونة ووفية لأصدقائها وزملائها المقربين الذين رأتهم عائلتها البديلة.
بصمات أيقونية وإلهام مستمر
تركت زها حديد إرثاً معمارياً يمتد عبر قارات العالم حيث تحولت أعمالها إلى وجهات سياحية بحد ذاتها. من أبرز هذه الأيقونات مركز حيدر علييف في باكو ومركز الألعاب المائية لدورة الألعاب الأولمبية في لندن واستاد الجنوب في قطر.
نتيجة لذلك لم تعد مباني زها حديد مجرد هياكل بل هي تجارب مكانية تحفز الحواس وتتحدى الجاذبية. لقد أثبتت حديد أن الجرأة الفنية والتمسك بالرؤية يمكن أن يكسرا أعتى الحواجز الثقافية والهندسية لتظل ابنة بغداد أيقونة عالمية للتفرد المعماري.
اقرأ: