إسماعيل الجزري.. عالم مسلم علم العالم
بعد عصور طويلة تجاهل فيها الغرب إسهامات العلماء، أصبح واضحًا الآن أن فناني وفلاسفة وعلماء أوروبا في عصر النهضة استلهموا بشكل كبير من أعمال علماء المسلمين الذين سبقوهم ومن بينهم العالم العرربي الشهير إسماعيل الجزري. لم يكن دور هؤلاء العلماء المسلمين مقتصرًا على ريادة الكثير من الاختراعات والأفكار التي شكلت الفكر الغربي الكلاسيكي، بل حققوا أيضًا اكتشافات عظيمة ومهمة جدًا.
من بين هؤلاء العلماء البارزين يظهر اسم المخترع والفنان إسماعيل الجزري، الذي عاش في القرنين الثاني عشر والثالث عشر. لم يكتفِ إسماعيل الجزري بوضع الأساس للهندسة الحديثة وعلم الهيدروليكا والروبوتات، بل قام بتدوين تصاميمه بطريقة فنية رائعة تُشبه رسومات ليوناردو دافنشي، بل يُقال إنها ربما ألهمت ليوناردو نفسه.
كبير المهندسين
عمل إسماعيل الجزري في قصر الأرتقيين في منطقة ديار بكر (في الجزيرة الفراتية)، حيث أصبح كبير المهندسين. وقبل وفاته عام 1206، أنجز كتابه الرائع الذي وصف فيه 100 جهاز مبتكر مزين برسومات جميلة. شملت هذه الأجهزة آلات لرفع المياه، وساعات ميكانيكية دقيقة، وروبوتات موسيقية.
لقد عمل إسماعيل الجزري في فترة ذهبية ازدهرت فيها العلوم والفنون والفلسفة في العالم الإسلامي. فكانت إنجازات علماء مثل جابر بن حيان في الكيمياء والخوارزمي في الرياضيات تحدث تأثيرًا كبيرًا داخل وخارج العالم الإسلامي. وعاصر الجزري فلاسفة عظماء مثل ابن رشد وابن عربي. بل إن الجزري نفسه اعترف بفضل العلماء الذين سبقوه في أعماله.
في عام 1206، أصبح كتابه المعروف باسم “كتاب المعرفة” متاحًا للأثرياء الذين طلبوا أعمالًا فنية وهندسية مستوحاة من تصاميمه. ولكن للأسف، لم يبقَ الكثير من هذه الأعمال الأصلية.
أشهر اختراعات إسماعيل الجزري
من أشهر اختراعاته أول قفل بأربعة أقراص لصندوق أو تابوت. وحتى الآن، لم يعثر إلا على خمسة توابيت تعود إلى أوائل القرن الثالث عشر مزودة بهذا النوع من الأقفال. أحد هذه التوابيت الرائعة، والموجود في مجموعة الخليلي، صُنع في مسقط رأس الجزري.
يحتوي غطاء هذا التابوت على أربعة أقراص.. كل منها يحمل 16 حرفًا مرتبة أبجديًا مع مؤشرات قابلة للتدوير. ويُشبه هذا القفل الموجود على صندوق الخليلي تصميمه في كتابه “كتاب المعرفة” بشكل كبير.
وصف الجزري في كتابه صندوقًا بأربعة أقراص قفل مثبتة في زوايا الغطاء، كل منها يستخدم ستة عشر حرفًا من الأبجدية العربية ممثلة للأرقام. والمثير للاهتمام أن قفل إسماعيل الجزري استخدم الأحرف بدون علامات الإعراب، وهو ما يظهر بوضوح في أقراص صندوق الخليلي.
صندوق الخليلي مزين بمشاهد فضية تصور قصصًا ملكية وزخارف مسيحية. وبالنظر إلى تاريخ ومكان صنع الصندوق ودقته، يرجح أنه صنع بتكليف من شخص مسيحي ثري بناءً على تصميم إسماعيل الجزري.
إسماعيل الجزري وليوناردو دافينشي
أما بالنسبة لتأثير العلماء المسلمين على ليوناردو دا فينشي، فهو واضح في رسوماته وملاحظاته. فقد استلهم ليوناردو دراساته في النسب الهندسية من العالم المسلم ثابت بن قرة، وأعماله في علم البصريات من ابن الهيثم، وأعمال الكندي في الرياضيات. والأهم من ذلك.. أن ليوناردو أشار إلى ابن سينا في أبحاثه التشريحية.
حاول ليوناردو الحصول على دعم حكام المسلمين، مثل السلطان العثماني بايزيد الثاني، وقدم إليه تصاميم مبتكرة.. منها جسر ضخم يربط بين أوروبا وآسيا.
إن تقدير ليوناردو للابتكارات العلمية الإسلامية وشغفه بالتصميم الميكانيكي يعني أنه كان على دراية بأعمال كبار المخترعين والمهندسين المسلمين، مثل عباس بن فرناس والإخوة بنو موسى وابن خلف المرادي، الذين كانت أعمالهم محل تقدير كبير في أوروبا في عصر النهضة. لذلك، من المنطقي الاعتقاد بأن ليوناردو تأثر بأفكار شخصية عظيمة مثل إسماعيل الجزري واستلهم منها.
يمكن تخيل مدى إعجاب ليوناردو بالطريقة البديعة التي جسد بها إسماعيل الجزري تصاميمه فنيًا. لقد كان الجزري عالمًا ومخترعًا موسوعيًا، طور طريقة بصرية رائعة لتسجيل وعرض تصاميمه، تمامًا كما كان يحلم ليوناردو أن يفعل.
على الرغم من أن ليوناردو كان من أكثر المخترعين والمدونين إنتاجًا في عصر النهضة الإيطالية، إلا أن معظم تصاميمه لم تُبنَ لتبقى حتى يومنا هذا. ولكن ربما كان الهدف من تصميم وتصوير هذه الآلات المتقنة هو تجاوز حدود الخيال والإبداع البشري، تمامًا كما فعل العالم الكبير. لقد كانت وسيلة للحلم، وهذه الرغبة في الإبداع الجريء هي ما يربط أعظم المفكرين والمبدعين في تاريخ البشرية، بمن فيهم الجزري وليوناردو دا فينشي.
اقرأ: