إبراهيم أحمد كثير.. قصة معلم مصري وهب عمره لتطوير التعليم في بلاده
في تاريخ الأمم، رجال لا يقاس عمرهم بالسنين، ولكن بالأثر الذي تركوه في نفوس من عبروا.. وبالنور الذي غرسوه في عتمة الجهل فاستحال ضياءً ممتداً. ومن بين هؤلاء العظماء، نحدثكم اليوم عن الأستاذ إبراهيم أحمد كثير؛ ذلك المعلم الذي كان “مشروعاً تنويرياً” يمشي على قدمين، صاغ من طين قرية “دوامة” بمحافظة الشرقية جيلاً من “النور”.
إبراهيم أحمد كثير.. البدايات
وُلد الأستاذ إبراهيم في عام 1940، وتشرب حب العلم منذ نعومة أظفاره. بدأت رحلته الأكاديمية بحصوله على دبلوم المعلمين (3 سنوات) عام 1960، لكن طموحه الذي لا يحده سقف دفعه للاستمرار.. فنال دبلوم المعلمين (5 سنوات) عام 1979.
ولم تكن حياته بمعزل عن قضايا وطنه وأمته، فكان جندياً وفياً شارك في حرب اليمن عام 1964، حاملاً روحه على كفه كما حمل القلم في يده.
عقبة “التميز”.. حين يكون الذكاء مانعاً للسفر!
في تصريحات خاصة لـ “أصوات عربية” تروي هبة إبنة الأستاذ إبراهيم واقعة تثير الدهشة؛ مؤكدة أنه في عام 1973، رُشح والدها للإعارة إلى دولة الكويت بعد فوزه بلقب “المعلم المثالي” على مستوى محافظة الشرقية. ولكن، وفي واقعة هي الأغرب من نوعها، رُفض سفره لأن “مؤهلاته وقدراته تتجاوز الشروط المطلوبة”.. لقد كان بريقه طاغياً لدرجة أربكت المعايير التقليدية.
لكن “النور لا يُحجب”، فبعد خمس سنوات، طلبت سلطنة عمان الأستاذ إبراهيم “بالاسم” لينشر علمه في ربوعها عام 1979.
وهناك.. قدم نموذجاً مصرياً مشرفاً، لدرجة أن وزارة التعليم العمانية قدمت له “ورقة بيضاء” ليكتب شروطه للبقاء، لكن نداء الوطن وقلبه المعلق بـ “دوامة” جعلاه يختار العودة ليغرس الثمر في أرضه الأولى.
المشروع الملهم.. صناعة “قرية المعلمين”
وبحسب هبة إبرهيم.. فعقب عودة والدها من عمان؛ تهافتت عليه مدارس المدن الكبرى، لكنه اختار “مدارس القرى”، حيث المنبع والجذور. في فترة الثمانينيات، أطلق الأستاذ إبراهيم مشروعه “المذهل”؛ لم يكتفِ بتدريس الطلاب، لكن اختار صفوة منهم وأعدهم إعداداً خاصاً ليكونوا “معلمي المستقبل”.
أقنع الأهالي برؤيته، وبالفعل تخرجت من تحت يده كوكبة من أفضل معلمي مصر، الذين جعلوا من قرية “دوامة” مركزاً لتصدير “سفراء العلم” داخل مصر وخارجها.
ولم يكن الأستاذ إبراهيم أحمد كثير جامداً في تدريسه، فبرغم تخصص الحساب والأرقام، كان “فناً” يتدفق؛ يشارك تلاميذه الرسم والأشغال اليدوية، مؤمناً بأن المعلم الحقيقي هو من يربي الذوق قبل العقل.. ويغرس الجمال بجانب المعلومة.
الوفاء.. خلف كل عظيم امرأة
في مسيرته الحافلة.. لم ينسَ الأستاذ إبراهيم رفيقة الدرب، زوجته التي كانت له سنداً وعوناً في كل محطة.. والتي رحلت عن عالمنا عام 2014، تاركةً خلفها إرثاً من التربية الصالحة في أبنائه الستة (3 أولاد و3 بنات)، الذين زرع فيهم حسن الخلق والمصابرة.
رسالة من “منبر العمر”
اليوم، وهو يقف على أعتاب عامه السادس والثمانين، يختصر الأستاذ إبراهيم مسيرته في كلمات تقطر حكمة: “من زرع حصد.. ومن طلب العلا سهر الليالي”. يوجه رسالته للمعلمين الشباب بضرورة “الإخلاص وحب العمل”، وللطلاب بـ “الاستقامة والمثابرة واحترام المعلم”، معتبراً أن أسمى أمانيه قد تحققت برؤية تلاميذه وهم يقبلون يديه عرفاناً بجميلٍ لا ينسى.
اقرأ: