تعرف على محمد صادق صبور.. “أبو الطب المصري الحديث”
تتوقف الذاكرة الطبية المصرية طويلاً أمام اسم الأستاذ الدكتور محمد صادق صبور (1931 – 2005)، ذلك العالم الذي لم يكن مجرد طبيب باطني متميز، وإنما كان مهندسًا حقيقيًا لنظم التعليم الطبي الحديث في مصر. صبور، الذي رحل عن عالمنا تاركًا خلفه إرثًا علميًا وأكاديميًا ضخمًا، استحق لقب “أبو الطب المصري الحديث” عن جدارة، نظرًا لمساهماته التي أحدثت نقلة نوعية في كيفية تأهيل الطبيب المصري لمواجهة تحديات العصر.
محمد صادق صبور.. مسيرة أكاديمية حافلة وبناء مؤسسي
بدأت رحلة الدكتور صبور من جامعة عين شمس، حيث حصل على بكالوريوس الطب والجراحة في عام 1954، ثم انطلق في مسار أكاديمي دولي متميز، حصل خلاله على عضوية كلية الأطباء الملكية في لندن وإدنبرة، وتوج مجهوداته بالحصول على دكتوراه الفلسفة من جامعة إدنبرة عام 1962. هذه الخلفية الدولية مكنته من العودة إلى وطنه برؤية تطويرية شاملة، تدرج خلالها في المناصب حتى تولى رئاسة أقسام الباطنة العامة بكلية طب عين شمس، وظل في هذا الموقع القيادي حتى عام 2001.
لم يكتفِ صبور بالعمل الإكلينيكي التقليدي، فقد كان مهمومًا بتطوير أدوات القياس والتقويم. وفي خطوة سبقت عصره، أسس في السبعينات أول بنك آلي للأسئلة متعددة الإجابات لكافة التخصصات الطبية، محولًا نظام الامتحانات من التقييم التقليدي إلى التقييم الموضوعي الذي يضمن عدالة القياس ودقة النتائج. كما وضع حجر الأساس لنظام التعليم الطبي المتواصل، مؤمنًا بأن الطبيب يجب أن يظل في حالة تعلم دائم وتأهيل إلزامي لملاحقة الثورات العلمية المتلاحقة.
إسهامات طبية واجتماعية رائدة
تخصص الدكتور صبور في أمراض الكلى، وأسهم في إثراء هذا المجال بأبحاثه ومؤلفاته، لكن طموحه تجاوز حدود التخصص الضيق ليشمل الصحة العامة للمجتمع. كان من أوائل الذين فطنوا إلى أهمية رعاية كبار السن، فشارك في تأسيس الجمعية المصرية لطب المسنين وأسهم في إنشاء أول قسم متخصص لطب المسنين بجامعة عين شمس.. معتبرًا أن شيخوخة المجتمع تتطلب استعدادًا طبيًا واجتماعيًا خاصًا.
كذلك، كان له دور محوري في مكافحة العدوى.. حيث ساهم في إنشاء الجمعية العربية للمضادات الحيوية، وشارك في تأسيس متحف الأشعة بكلية طب عين شمس بالتعاون مع نخبة من كبار الأساتذة.. ليكون مركزًا تدريبيًا يخدم الأطباء والطلبة في قراءة الأشعة بكافة تخصصاتها.. محولًا الجانب النظري إلى ممارسة تطبيقية حية.
المفكر والمؤلف: رؤية تتجاوز الطب
تجلت عبقرية صبور في غزارة إنتاجه الأدبي والعلمي، فقد كان كاتبًا موسوعيًا يربط بين الطب والفلسفة والاجتماع والسياسة. تناولت مؤلفاته قضايا شائكة وحيوية.. مثل:
القضايا الطبية المعاصرة: من خلال كتبه عن “مرض الإيدز” و”الاستنساخ” و”حرب الميكروبات”.
الفكر والحضارة: في مؤلفات مثل “موجز تطور الحضارات الإنسانية” و”مستقبل الحضارة الإنسانية”.
التحليل السياسي والاجتماعي: عبر كتب “مناطق الصراع في أفريقيا” و”الصراع في الشرق الأوسط”.
هذه الموسوعية جعلت منه مفكرًا لا يكتفي بعلاج الجسد.. كما يحلل أمراض المجتمع والحضارة بلمسة الطبيب الحاذق.
تكريم مستحق لرحلة عطاء
قدرت الدولة المصرية عطاء الدكتور محمد صادق صبور في مراحل مبكرة من حياته.. حيث نال جائزة الدولة التشجيعية عام 1962.. ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1963. وفي ختام مسيرته الحافلة.. حصل على جائزة الدولة التقديرية في العلوم الطبية عام 2001.. كما كرمته الدولة في يوم الطبيب المصري عام 2006 تخليدًا لذكراه.
رحل الدكتور صبور في ديسمبر 2005 بعد صراع مع المرض، مخلفًا وراءه مدرسة علمية تضم أبناءه الذين ساروا على دربه في سلك التدريس بجامعة عين شمس.. وتلاميذًا ينتشرون في كافة بقاع الأرض. يحملون راية التطوير التي رفعها “أبو الطب المصري الحديث” طوال حياته.
:
اقرأ: