لا يحق لك أن تكون دائمًا على حق
بقلم: الدكتور زكريا الخنجي
يروى أنه في قرية صغيرة، كان يعيش رجل يُدعى (عبد الله)، معروف بين أهل القرية بأنه لا يقبل الخطأ، ولا يعترف بأن رأيه قد يكون غير صائب. كان يعتقد أن خبرته في الحياة تجعله دائمًا على حق، وكان يرفض أي نقاش يخالف وجهة نظره. ذات يوم، جاءه ابنه (إبراهيم) وهو يحمل مرآة مكسورة، وقال له:
“أبي، لقد كسرت المرآة عن طريق الخطأ، لكنني أظن أن بإمكاننا إصلاحها بطريقة مبتكرة”.
نظر عبد الله إلى المرآة وقال بحزم: “لا، المرآة المكسورة لا تُصلح. هذا رأيي، ولا جدال فيه”.
لكن إبراهيم أصر على المحاولة، فجمع قطع الزجاج ورتبها داخل إطار خشبي بطريقة فنية، حتى أصبحت المرآة لوحة فنية جميلة تعكس الضوء بشكل جميل ومختلف. عرضها في ساحة القرية، وبدأ أهالي القرية يتوافدون لرؤيتها، معجبين بجمالها الفريد.
حين رأى عبد الله إعجاب الناس، شعر بشيء من التردد، لكنه قال: “ربما كانت مجرد صدفة، لكنني ما زلت أعتقد أن المرآة لا تُصلح”.
اقترب منه أحد الجيران وقال: “عبد الله، أحيانًا لا تكون المسألة في أن تكون دائمًا على حق، بل في أن تترك مساحة للآخرين ليجربوا، ويخطئوا، ويبدعوا”.
في تلك اللحظة، شعر عبد الله وكأن شيئًا بداخله انكسر، تمامًا كما انكسرت المرآة. لكنه أدرك أن إبراهيم لم يُصلح المرآة فقط، بل أصلح شيئًا في قلب أبيه أيضًا. ومنذ ذلك اليوم، بدأ عبد الله يستمع أكثر، ويجادل أقل، ويقول أحيانًا: “ربما أكون مخطئًا، دعني أرى الأمور من زاويتك”.
هذه الحكاية على الرغم من بساطتها إلا أنها ذكرتني بمقولة الإمام الشافعي الذي يقول: “رأييّ صواب يحتمل الخطأ، ورأى غيرى خطأ يحتمل الصواب”، أعتقد أن هذا ميزان حساس خطه الشافعي لتحديد مفهوم الرأي والرأي المخالف.
إذ أننا حينما نعتقد أننا نمتلك الحقيقة الكاملة فإننا نغلق باب الفكر والتعلم والحوار، وهذا يمنعنا من الرؤية من الزوايا الأخرى للواقع، ويجعلنا أسرى لذاتنا. لذلك نجد أنه ليس من حق أي إنسان أن يكون دائمًا على حق، لأن المعرفة نسبية، والتجربة الإنسانية معقدة، والحقيقة غالبًا ما تكون متعددة الأوجه.
والخطأ ليس عيبًا، بل هو جزء أساسي من الإنسان ومن عملية التعلم والنمو، فمن يظن أنه لا يخطئ، يحرم نفسه من فرصة التطور والتعلم. والاعتراف بالخطأ لا يقلل من قيمة الإنسان، بل يعكس نضجه وينمي وعيه واداركه للحياة والحقائق وخاصة التي تكون غائبة عليه. فالشخص الذي يستطيع أن يقول “كنت مخطئًا” هو شخص شجاع، قادر على تجاوز غروره، وعلى إعادة النظر في قناعاته.
وعندما نعيد قراءتنا للتاريخ نجد أن أعظم العقول في التاريخ لم تصل إلى عظمتها إلا من خلال سلسلة من الأخطاء والتجارب الفاشلة، فتومس أديسون، مثلاً؛ لم يكن دائمًا على صواب، لكنه كان دائمًا مستعدًا لإعادة التفكير، وهذا ما جعله يتجاوز حدود المألوف ويصل إلى اختراع المصباح الكهربائي، وحينها قال: “أنا لم أفشل، بل وجدت 10 آلاف طريقة لا يمكن للمصباح العمل بها”.
ومن المفارقات العجيبة لنا كبشر نطالب الآخرين بالاعتراف بأخطائهم، بينما نرفض أن نُحاسب على أخطائنا نحن، وأن نريد أن نكون دائمًا على صواب، وأن تُقبل آراؤنا دون نقاش، لكن في مجتمع صحي، لا بد أن يكون هناك مساحة للاختلاف، وللخطأ، وللتراجع. وفي كثير من الأحيان، نخلط بين الدفاع عن الرأي وبين العناد، ونرفض الإصغاء للآخرين لأننا نعتقد أن التراجع عن موقفنا يعني الهزيمة، لكن الحقيقة أن الإصغاء للآخرين، ومحاولة فهم وجهات نظرهم، هو دليل على القوة الفكرية والانفتاح.
علمًا أن الإصغاء لا يعني الموافقة، بل هو احترام للآخر، واعتراف ضمني بأننا لا نملك كل الأجوبة. وفي بيئة يسودها الاحترام المتبادل، يصبح الحوار وسيلة لاكتشاف الحقيقة، لا ساحة معركة لإثبات الذات. بل إن التراجع عن موقف خاطئ هو في ذاته موقف أخلاقي نبيل، أن تقول “لقد كنت مخطئًا” هو فعل من أفعال الشجاعة، لا الضعف، وهو ما يفتح الباب أمام إصلاح العلاقات، وتصحيح المسارات، وبناء الثقة.
ويجب أن نفهم أن التواضع المعرفي هو الاعتراف أن معرفتنا محدودة، وأننا قد نكون مخطئين حتى في أكثر الأمور التي نعتقد أننا نُجيدها، هذا التواضع لا يعني التقليل من الذات، بل هو وعي عميق بتعقيد العالم، وبأن الحقيقة لا تُختزل في رأي واحد أو منظور واحد، وخاصة ونحن في زمن تكثر فيه المعلومات وتقل فيه الحكمة، يصبح التواضع المعرفي ضرورة لا رفاهية، وهو ما يجعلنا نُصغي بدل أن نُقاطع، ونتأمل بدل أن نحكم، ونتعلم بدل أن نُجادل.