الدكتور زكريا الخنجي

أبي.. لم أعد طفلاً

 

بقلم: الدكتور زكريا الخنجي

Zkhunji@hotmail.com

قال لي أحد الأصدقاء عندما ألتقينا في إحدى المجالس المنتشرة في البحرين:

قررنا – الأسرة والأبناء والأحفاد وأنا – أن نسافر إلى دولة قريبة خلال عطلة العيد، ذهبنا بالسيارة، حوالي ثلاث سيارات. وأعطيت القيادة لأكبر أبنائي حتى يأخذنا هو إلى تلك البلاد، فكان في المقدمة، إذ أنه يعرف الطريق.

في الطريق وأثناء توقفنا للتزود بالوقود، أو لشراء بعض المستلزمات في الاستراحات، كنت أنا أدفع المبالغ المالية بحكم أني أنا الأب، ورب الأسرة، فهذا أمر أشعر به أنه طبيعي، فعندما يريد حفيدي أي شيء فأنا أقوم بالشراء، وهكذا.

وصلنا الفندق، وفي الاستقبال وجدنا أنه يجب أن ندفع بعض المبالغ الإضافية إذ نحن في موسم العيد، والأسعار غير ثابتة، فدفعت أنا فرق المبلغ، بصدر رحب.

وخلال فترة الإجازة، كان أبني الأكبر هو من يقود القافلة، ويأخذنا إلى مراكز الترفيهية والمطاعم وما إلى ذلك، فكنت كأب أخاف عليه حتى من الشمس، فكنت دائمًا أطلب منه أن يتريث ولا يسوق السيارة بأقصى سرعة، فنحن لسنا في عجلة من أمرنا، وكذلك عندما نسير في الطريق مشيًا على الأقدام كنت أحاول أن اجنبه المشي في الشمس، إذ أن درجة الحرارة كانت تبلغ حوالي 45 درجة مئوية وربما أكثر.

وعندما يغضب من ابنه ذو السنين الخمس، عندما يجري هناك وهنا، فالأطفال أشقياء بطبيعتهم، خوفًا عليه، كنت أقول له أهدأ، ولا تغضب لأن الغضب آفة تحتاج للسيطرة عليها، فيقول: وهل أتركه يسير في الشارع من غير انتباه ؟

أعتقد أن له الحق في ذلك، ولكني أب، وكنا أحاول أن أمارس دوري، وإذ كنت أعتقد أن هذا حقي.

لا أقول إن الرحلة كانت خالية من المنغصيات، فعدد بهذا الحجم من الطبيعي أن يكون هناك بعض المنغصيات، وبعض حالات الغضب والخروج من السيطرة، ولكن كل هذا كان في داخل نطاق الأسرة، ولكن من المهم أن الجميع يعود إلى وضعه الطبيعي بعد فترة من الزمن، إن حدث ذلك فهذا أمر طبيعي، ولكن إن لم يحدث فهناك تقبع المشكلة.

عمومًا، أنقضت الأيام الثلاث بسرعة، وأثناء خروجنا في تلك البلاد قرر الجميع أن نتناول وجبة الغداء قبل المغادرة، ذهبنا إلى المطعم، وكان مزدحمًا، حتى إننا لم نجد لنا موقف للسيارات، ولكن المطعم كان يقدم خدمة رصف السيارات في مواقف خاصة تابعة للمطعم، وبالفعل سلمناهم السيارات ودخلنا لتناول وجبة الغداء، وبعدما انتهينا وبحكم العادة دفعت – أنا – ثم وجبة الغداء كاملاً، بهدف ألا يدفع أي من أبنائي أي مبالغ إذ كانت الوجبة غالية نوعًا ما، إذ أشعر أنه إن قمن أنا بدفع تلك المبالغ المالية فإن هذا يخفف على الأبناء عبء مالي، وخاصة أنهم يبدؤون حياة جديدة، فهذه المبالغ المالية يحتاجونها من أجل حياتهم وأطفالهم، وهذا كان تفكيري.

خرجنا ووقفنا بانتظار السيارات حتى نغادر، وكان الوقت الظهيرة، والشمس حارة، تركنا النساء في المطعم، حيث الظل والمكيف، ووقفنا أنا وابني الأكبر (35 سنة) بانتظار السيارة، وشعرت بالشمس والحرارة وقلت له: قف هناك في الظل حتى تأتي السيارات، وسأقف أنا هنا بانتظار السيارات.

ألتفت إليّ وقال: أبي، أنت تعاملني وكأني طفلك الصغيرة، أبي لم أعد طفلاً، أنا أستطيع التصرف.

قلت له: أنت أبني وأخاف عليك.

قال: أنت أبي وكذلك أخاف عليك، وأنا شباب وأنت لا تحتمل الشمس.

يقول صديقي، في تلك اللحظة، سكت، وشعرت أني مخطئ، ولكن كيف ؟

المشكلة الكبيرة التي نعيشها نحن الآباء أننا – دائمًا – ننظر إلى أبنائها أنهم أطفال مهما طال بهم الزمن، وهذا خطأ نقع فيه جميعنا، فالأطفال يكبرون أمام أعيننا ونحن لا نشعر، وعندما يكبرون فإن لهم احتياجات لا نعرفها وطرق أخرى للتفكير واتخاذ القرار ربما لم نعهدها، وعلى الرغم من ذلك فإننا ننكر ذلك، كل هذه الأمور تحدث شئنا أم لم نرغب، ولكنها حتمية الحدوث.

لذلك علينا نحن الآباء الانتباه، إذ ربما الاهتمام الزائد بأبنائنا يشعرنهم أنهم ما زالوا أطفال، وهم لا يريدون أن يشعروا بذلك، وخاصة أمام زوجاتهم وأبناءهم.

وكذلك في المقابل فإن على الأبناء أيضًا الرأفة على الآباء والأمهات، فالآباء ينظرون لأبنائهم بعيون تختلف بصورة كاملة عن نظرة الأبناء.

لذلك يجب أن نشعر ببعضنا البعض.

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.