حياة سندي.. عالمة سعودية حوّلت المختبرات المعقدة إلى “طوابع بريد”
في القرى النائية بأفريقيا والمناطق التي لا تصلها الكهرباء، يمثل الحصول على تحليل طبي فارقاً بين الحياة والموت. هناك، حيث تقف المسافات والفقر حائلاً دون “الرصد الصحي”، برزت العالمة السعودية الدكتورة حياة سندي لتقدم حلاً يبدو بسيطاً في شكله.. لكنه ثوري في مفعوله: قطعة من الورق بحجم “طابع بريد” تكلفتها لا تُذكر، لكنها تعمل كمختبر تشخيصي متكامل.
الابتكار: “مختبر ورقي” في قبضة اليد
بعيداً عن تعقيدات الأجهزة الطبية الباهظة، تعتمد تقنية سندي (التي طورتها مع فريق من جامعة هارفارد) على “التشخيص للجميع”. الجهاز عبارة عن مربع ورقي محفور بقنوات دقيقة، محملة بمواد كيميائية تتفاعل مع قطرة واحدة من سوائل الجسم (دم، أو لعاب، أو بول).
في أقل من دقيقة.. يتغير لون الورقة، وبمقارنته بمقياس لوني بسيط – صمم ليراعي حتى المصابين بعمى الألوان – يستطيع أي شخص، حتى دون تدريب طبي مكثف، قراءة النتائج. هذا الابتكار ألغى الحاجة للمختبرات المعقمة.. والمياه النظيفة، والكهرباء، مما جعل “المعمل” يذهب إلى المريض بدلاً من انتظار وصوله المستحيل إليه.
حياة سندي و إنقاذ ضحايا “العلاج”
اختارت سندي أن يكون التطبيق الأول لابتكارها هو “اختبار وظائف الكبد”. والسبب صادم؛ ففي الدول النامية، يتناول الملايين أدوية قوية لمكافحة الإيدز والسل، وهي أدوية تنقذ الأرواح لكنها قد تدمر الكبد كأثر جانبي.
في الدول المتقدمة، يراقب الأطباء الكبد دورياً، أما في القرى المعزولة.. فيموت المرضى بفشل كبدي صامت نتيجة “الدواء” نفسه لغياب المراقبة. هنا، جاءت “ورقة سندي” لتقطع الطريق على الموت وتعطي فرصة للحياة بتكلفة زهيدة.
من مكة إلى كامبريدج
قصة الابتكار لا تنفصل عن قصة صاحبته؛ فـ “سندي” التي غادرت مكة المكرمة دون إتقان للغة الإنجليزية.. استطاعت بالاعتماد على الذات أن تصبح أول امرأة سعودية تحصل على دكتوراه في التقنية الحيوية من جامعة كامبريدج.
تروي سندي كيف كانت تدرس لـ 20 ساعة يومياً، وكيف كانت كلمة “مستحيل” هي الوقود الذي يحركها. تجلى ذلك بوضوح عندما فازت بمسابقة معهد “ماساتشوستس” (MIT) بقيمة 100 ألف دولار كأول جهة “غير ربحية” تكتسح المسابقة.. رافضةً نصائح المستشارين بتأجيل مساعدة الفقراء لحين تحقيق أرباح تجارية، مؤكدةً: “كم من الأرواح ستضيع في انتظار الربح؟”.
العلم لغة إنسانية عالمية
لا تتوقف مهمة حياة سندي عند المختبرات، بل تمتد لتغيير الصورة النمطية للعالم في أذهان الأجيال الجديدة. تسعى سندي لتحطيم فكرة أن “العالِم” هو رجل مسن فقط، ملهمةً الفتيات في الشرق الأوسط للإيمان بقدراتهن على التغيير.
تقول سندي في ختام حديثها: “العلم لغة تتجاوز الجنسية والدين والجنس”. لقد أثبتت هذه العالمة الاستثنائية أن أعظم الحلول قد لا تتطلب تكنولوجيا معقدة بآلاف الدولارات، بل تتطلب فقط “ورقة صغيرة” وفكرة كبيرة، وقلب ينبض بالانتماء للبشرية.
اقرأ: